السيد كمال الحيدري
164
شرح نهاية الحكمة (القوة والفعل والقدم والحدوث)
هذا وليس في حدّ القدرة أن تكون غير الفاعل القادر ولا عينه ، وإن كانت القدرة التي فينا خارجة عن ذاتنا . ثمّ إنّ الواجب تعالى وجودٌ لا يشوبه عدم ، ومطلقٌ غير متقيّد بقيد ولا محدود بحدّ ؛ على ما تدلّ عليه البراهين ، وفاعلٌ للكلّ بنفس ذاته لا بأمرٍ يلحقه من خارج . وقد أقيم عليه البرهان . فإذا كان ذاته هو مبدأ الفعل وهو مطلقٌ غير مقيّد فلا يكون مقيّداً بالفعل لامتناع الترك ، ولا بالترك لامتناع الفعل بل مبدأ فعله الذي هو ذاته مطلق غير مقيد بالفعل أو الترك ، أي بوجوب الفعل أو الترك . وهذه هي القدرة الواجبيّة ، وهي عين الذات . وإذا كانت الذات المتعالية في مبدئيّتها للفعل مطلقةً عن أيّ قيدٍ مفروض فلا يقهره شيء هو فوقه أو في عرضه بإيجاب الفعل عليه ولا واجب غيره ، ولا يقهره شيءٌ من أفعاله بإيجاب نفسه أو غيره عليه ، لأنّه متأخّرٌ عن الذات المتعالية قائمٌ به مفتقرٌ إليه في جميع شؤون وجوده ، ولا أنّه تعالى يثبت في ذاته وجوب الفعل عند إفاضة الوجوب الغيري على فعله وقهره على أن يوجد ، فإنّه من أشنع المحال . وبهذا يظهر أنّه تعالى مختارٌ في فعله . هذا ملخّص القول في التعريف الأوّل » « 1 » . إذن تعريف المتكلّمين لمطلق القدرة بأنّها ما يصحّ معه الفعل والترك ، غير صحيح ؛ لعدم شمولها لأفعال الله تعالى ، لأنّه بناء على هذا التعريف يلزم عدم كونه تعالى علّةً تامّةً لأفعاله ، وهو باطل ، لاستلزامه النقص على الواجب تعالى ، كما سيأتي بيانه مفصّلًا في المرحلة الثانية عشرة . نعم ، هذا التعريف للقدرة صحيحٌ بنحو الموجبة الجزئيّة ، أي أنّه صحيح في قدرة الحيوان ، ولا يشمل قدرة الواجب والعقول المجرّدة .
--> ( 1 ) الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة : ج 3 ص 307 ، تعليقة رقم ( 1 ) .